صالح الزيد

صالح الزيد

لماذا يبدأ التدريب في السابعة؟

قال رسول الله ﷺ: «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين».

في هذا الحديث سؤال يستحق التأمل: لماذا يبدأ التدريب المنظم على الصلاة في السابعة تحديدًا؟ وما علاقته بتطور دماغ الطفل عصبياً ؟ وما نتاج هذا التطور ضمن سياق ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ۝ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ۝ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ۝ إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾؟

المثير أن السنوات التي حددها الحديث لبداية هذا التدريب تقع في مرحلة مهمة جدًا من تطور دماغ الطفل؛ ففي الطفولة الوسطى، ولا سيما خلال السنوات الممتدة تقريبًا من السابعة إلى الحادية عشرة، يحدث نمو ملحوظ في الوظائف التنفيذية (Executive Functions)، وهي القدرات العقلية التي تسمح للإنسان بأن يقود سلوكه بدل أن تقوده رغباته واستجاباته اللحظية.

فالطفل الصغير قد يعرف أن عليه أن ينتظر، لكنه لا ينتظر. ويعرف أنه ينبغي أن يتوقف، لكنه يستمر. المشكلة ليست دائمًا في معرفة القاعدة، وإنما في قدرة الدماغ على تحويل المعرفة إلى سلوك.

وخلال هذه المرحلة تتطور قدرة كبح الاستجابة (Inhibitory Control)؛ أي أن يشعر الطفل بدافع إلى فعل شيء ثم يستطيع منعه. ويتطور التحكم في الانتباه (Attentional Control)؛ فيصبح أقدر على مقاومة المشتت وإعادة ذهنه إلى المهمة. وتنمو الذاكرة العاملة (Working Memory) التي تسمح له بالاحتفاظ بالقواعد والتعليمات في ذهنه أثناء تنفيذها. ثم تتكامل هذه القدرات تدريجيًا في التنظيم الذاتي (Self-Regulation)؛ أي قدرة الطفل على إدارة انتباهه وانفعاله وسلوكه وفق غاية، بدل أن يكون رد فعل مباشرًا لكل رغبة أو مثير.

وقد أظهرت دراسة طولية تابعت 120 طفلًا بدأوا في السابعة أو التاسعة ثم أعادت فحصهم بعد عامين أن الفترة من نحو 7 إلى 11 سنة شهدت تحسنًا في كبح الاستجابات المتعارضة وكفاءة معالجة المثير والاستعداد للاستجابة وتنفيذها، بالتزامن مع تغيرات في إشارات تخطيط كهربائية الدماغ (EEG) المرتبطة بالانتباه ومراقبة التعارض والتحكم المعرفي. ("pmc.ncbi.nlm.nih.gov" (https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC6969315/?utm_source=chatgpt.com))

ودراسات التصوير العصبي الطولية باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) تؤكد أن الشبكات التي يستخدمها الإنسان في كبح الاستجابة والتحكم بالسلوك تستمر في إعادة تنظيم نفسها خلال الطفولة والمراهقة، وتشترك فيها مناطق من القشرة أمام الجبهية (Prefrontal Cortex) إلى جانب شبكات جدارية وحزامية وتحت قشرية. ("pubmed.ncbi.nlm.nih.gov" (https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/32510344/?utm_source=chatgpt.com))

إذن فالطفل في هذه المرحلة لا يزداد معلومات فحسب؛ بل تنمو داخله تدريجيًا تلك المسافة بين الرغبة والفعل: أريد، لكنني أستطيع أن أتوقف؛ يشتتني شيء، لكنني أستطيع أن أعيد انتباهي؛ لدي رغبة آنية، لكن هناك قاعدة وغاية ينبغي أن ألتزم بهما.

وهنا تصبح آيات سورة المعارج شديدة الإثارة للتأمل: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ۝ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ۝ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ۝ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾.

فالقرآن يصف جانبًا من طبيعة الإنسان: يشتد جزعه أمام المكروه، ويشتد منعه عند حصول المحبوب. وقد فسر السلف الهلع بهذا المعنى؛ شدة الجزع عند الشر وشدة المنع عند الخير.

إنها صورة لإنسان تستبد به استجابته لما يحب وما يكره.

ثم يأتي الاستثناء: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾.

وليس الحديث عن صلاة عابرة، بل: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾.

وهنا يظهر معنى أكبر للصلاة؛ فهي في التصور القرآني ليست حركات تعبدية منفصلة عن بناء الشخصية، وإنما عبادة يُراد لها أن تغيّر الإنسان نفسه ، حتى يصبح نموذجاً أُريد له أن يُستخلفَ في الأرض لعمارتها.

ويصرح القرآن بهذا الأثر: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾.

فالصلاة لا تنتهي بالتسليم؛ وإنما يُفترض أن يمتد أثرها إلى الإنسان بعد التسليم.

والأجمل أن سورة المعارج نفسها ترسم صورة هذا التحول ، فالإنسان الذي قيل عنه أولًا: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ، يصبح ضمن صفات المصلين ممن: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ۝ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ، ثم تصفهم الآيات بأنهم يحفظون أماناتهم وعهودهم، ويضبطون شهواتهم، ويقومون بالشهادة.

فالتحول ليس من إنسان لا يصلي إلى إنسان يؤدي حركات الصلاة فحسب؛ بل من إنسان تستبد به دوافعه إلى إنسان يستطيع أن يحكم نفسه بمبدأ، ثم يحول هذا المبدأ إلى عطاء وأمانة ومسؤولية تجاه الآخرين.


وهنا يعود حديث السابعة بمعنى أعمق.

فالطفل لا يحتاج ثلاث سنوات ليتعلم كيفية الركوع والسجود حينما يمكنه تعلم هيئة الصلاة في مدة قصيرة. لكن الذي يحتاج إلى السنوات هو أن تتحول الصلاة من أمر خارجي إلى نظام داخلي يستطيع الطفل أن يحمل نفسه عليه. وهذا الانتقال معروف في علم النمو؛ ففي البداية يعتمد الطفل بدرجة كبيرة على التنظيم الخارجي أو المشترك (External/Co-regulation)، حيث يساعده والداه على ضبط سلوكه. ثم مع نمو الوظائف التنفيذية ينتقل تدريجيًا إلى التنظيم الذاتي (Self-Regulation)، فيحمل القاعدة داخله ويصبح أقدر على توجيه نفسه.


والصلاة تقدم تدريبًا متكررًا بصورة لافتة: طفل يلعب، فيدخل وقت الصلاة. عليه أن يوقف نشاطًا يحبه؛ فيستخدم كبح الاستجابة. ثم ينتقل من اللعب إلى الوضوء والصلاة؛ فيستخدم تحويل الانتباه (Attention Shifting). ويتبع تسلسلًا وقواعد محددة؛ فيستعين بالذاكرة العاملة. ويمتنع أثناء الصلاة عن الكلام والحركة الخارجة عنها؛ فيمارس الضبط السلوكي (Behavioral Regulation). وإذا تشتت انتباهه حاول إعادته. وفوق ذلك كله، لا يؤدي الصلاة عندما يوافق مزاجه فقط، وإنما في وقت محدد؛ أي أنه يمارس صورة من السلوك الموجَّه نحو غاية (Goal-Directed Behavior).

وهنا يمكن أن نفهم لماذا كانت السنوات بين السابعة والعاشرة سنوات تدريب، لا مجرد مهلة بين رقمين.

وهذا هو أحد أعظم التحولات في التربية: الانتقال من طفل يحتاج إلى من يضبطه، إلى إنسان يحمل ضابطه معه.


لكن هنا يبقى السؤال الأهم: لماذا نريد أصلًا أن يتعلم الطفل ضبط نفسه؟

لأن الضبط النفسي ليس غاية في ذاته ، فقدرة الإنسان يستطيع صرفها في الخير أو الشر، لذلك يحتاج الإنسان إلى شيئين: قدرة تضبط السلوك، ومبدأ يحدد اتجاهه ، وهنا تتميز الصلاة.

فهي لا تدرب الطفل على الكف والانتباه مجردين عن القيمة؛ بل تربط ذلك كله بمعنى العبودية: أن هناك أمرًا أعلى من رغبتي، وحقًا لا يتغير بتغير مزاجي، ورقيبًا لا تنتهي مراقبته عندما يغيب الناس.

ولذلك كان ترتيب وصية لقمان لابنه بالغ الدلالة: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾.


يبدأ الابن بإقامة الصلاة، ثم يخرج إلى المجتمع.

يصلي، ثم يحمل المعروف.

يضبط نفسه، ثم يقاوم المنكر.

يمتلك مبدأ، ثم يصبر على ثمن هذا المبدأ.

فكأن المسار ينتقل من ضبط الداخل إلى إصلاح الخارج.


وهذا يفسر بصورة أعمق وصف المصلين في سورة المعارج: لم تقل الآيات إنهم أصبحوا أكثر انضباطًا فحسب، بل أصبح المال الذي كان الإنسان بطبيعته «منوعًا» به حقًا للسائل والمحروم، وأصبحت الأمانة محفوظة، والعهد مرعيًا، والشهادة قائمة. أي أن ضبط النفس تحوّل إلى خير متعدٍ. ومن هنا نصل إلى عمارة الأرض.

قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.

إنها رحلة من الدافع إلى الضبط، ومن الضبط إلى المبدأ، ومن المبدأ إلى العمل، ومن العمل إلى صلاح المجتمع والاستخلاف في الخير.